السيد كمال الحيدري
125
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
مثال آخر وتحليل يضرب صدر الدين الشيرازي مثالًا لتبيين القراءة الثانية في ضوء فعل النفس وقواها . لكن قبل أن نأتى على ذكر نصوصه على هذا الصعيد يتعيّن بيان مقدّمة في طبيعة فهم قوى النفس وعلاقة النفس بما يصدر عنها . إنّ في الإنسان نفساً إنسانية هي التي تعرف ب « النفس الناطقة » ، كما توجد مجموعة من القوى كالقوّة الباصرة والسامعة والذائقة والشامّة ، والقوى الظاهرة والباطنة . من جهة أخرى ، لهذه القوى مجموعة من الأدوات كالعين والأذن والأنف واللسان . فهذه أدوات لتلك القوى التي هي قوى النفس ووسائل لها ، ثمّ تأتى النفس من وراء هذه القوى . السؤال : عندما تقوم قوّة من هذه القوى كالقوّة الباصرة بفعل الإبصار من خلال العين ، فهل يسند هذا الفعل إلى النفس أيضاً على وجه الحقيقة ؟ هناك تصوّران في الجواب ، هما : الأوّل : أنّ النفس فاعل بعيد ، والقوّة فاعل قريب . الثاني : أنّ هذا الفعل كما يُسند إلى هذه القوّة حقيقة وبلا أدنى شائبة مجاز ، كذلك يُسند إلى النفس حقيقة . يقوم الجواب الثاني على تصوّر في مباحث النفس الفلسفي قام صدر الدين الشيرازي بدراستها وتحليلها ، لينتهى إلى أنّ فعل القوى هو فعل النفس ، أو كما يعبّر صاحب المنظومة : النفس في وحدتها كلّ القوى وفعلها في فعله قد انطوى فإذا ما رأت القوّة الباصرة بواسطة العين فالنفس هي التي رأت . يعين على هذا الاتجاه الاستعمال اللغوي إذ يقول الإنسان : « رأت عيني » وهى نسبة حقيقيّة لا يشوبها مجاز ، كما يقول : « رأيت » وهذه أيضاً نسبة حقيقيّة لا مجاز فيها . كما يقول : « كتبتُ بيدي » و : « كتبت » حيث الاستعمالان صحيحان والنسبة فيهما